الشريف المرتضى
73
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
ووقف المرتضى عند قوله تعالى : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ « 1 » ، ويجد أن بعضهم يستدلّ بهذه الآية على نسبة الأفعال الّتي تظهر من العباد إليه تعالى ، لأنه قال بعد ما تقدم من أفعالهم ومعاصيهم : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فأضافها إلى نفسه « 2 » ، وهذا ما يرفضه الشريف المرتضى ويرده بقوله : « وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره من آل فرعون من ذبح الأنبياء وغيره إلى نفسه ، وهو قد ذمّهم عليه ، ووبخهم ! وكيف يكون ذلك من فعله ؛ وهو تعالى قد عدّ تخليصهم منه نعمة عليهم ! » « 3 » . وبعد هذا الاحتجاج العقلي يستشهد المرتضى بأدلّة قرآنية لدفع الشبهة وتوكيد المعنى الّذي يذهب إليه ، فقال : « أصل البلاء في كلام العرب الاختبار والامتحان ، ثمّ يستعمل في الخير والشرّ ، لأنّ الاختبار والامتحان قد يكون في الخير والشرّ جميعا ، كما قال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ « 4 » ، يعني اختبرناهم ، وكما قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « 5 » ، فالخير يسمّى بلاء ، والشرّ يسمّى « 6 » ويرجّح المرتضى أن يكون المراد بالبلاء في الآية الإحسان والنعمة ، وقوله تعالى : وَفِي ذلِكُمْ إشارة إلى ما تقدّم ذكره من تخليصهم من المكروه والعذاب « 7 » . وقد ذكر ابن الجوزي ( ت 598 ه ) أنّ لفظة ( البلاء ) في القرآن الكريم جاءت على وجهين : الأوّل : الاختبار ، ومنه قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ « 8 » ، والثاني : النعمة ومنه قوله تعالى : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ « 9 » « 10 » . ولنا أن نشير إلى أنّ سياق الآيات يرجّح معنى النعمة ، لأن ما قبل الآية
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 49 . ( 2 ) ينظر أمالي المرتضى ، 2 : 108 . ( 3 ) نفسه ، 2 : 109 . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 168 . ( 5 ) سورة الأنبياء ، الآية : 35 . ( 6 ) كذا في الأصل . ( 7 ) نفسه ، 2 : 108 . ( 8 ) سورة البقرة ، الآية : 124 . ( 9 ) سورة البقرة ، الآية : 49 . ( 10 ) ينظر نزهة الأعين النواظر : 156 - 157 ، وتأويل مشكل القرآن : 469 - 470 .